السيد رضا الصدر

34

محمد ( ص ) في القرآن

تكون مهدّدة دائما ، حتّى حياة من لم ينجح في استلام الحكم ، فإنّ الحكّام الطغاة والرؤساء والعصاة هم أعداء ألدّاء لتلك النفوس الطيّبة ، يسعون في استئصال مقاصدهم ، ويبذلون كلّ غال ونفيس من أجل إبادة مشروعاتهم دائما . وإنّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله لم يكن بنجوة من مكائد هذا السلوك البشري ، ولا بعيدا عن حبائله ، فكانت حياته في خطر مستمر من جوانب عديدة ، حتّى إنّ كسرى أبرويز أمر بقتله حين دعاه إلى الإسلام . ولم يكن محمّد صلّى اللّه عليه وآله يتّخذ لنفسه حاجبا ويجعل لبيته حرسا ، ولمصلّاه في مسجده مقصورة ، ومع ذلك فقد بقي حيّا ولم يقتل . كان يعيش بين قومه كأحدهم وقد أحاط به الأعداء من كلّ جانب ، وكان له أصناف من الأعداء يعيشون معه في نفس مقرّه ومدينته ، وهم المشركون واليهود . وربما كان المنافقون من أصحابه من المكّيّين منهم والمدنيّين رجالا ونساء أعظم بلاء وأشدّ خطرا عليه من غيرهم . وكذلك يكون العدوّ إذا لبس ثوب الصديق الحميم . نعم ، لقد كانوا ملتفّين حوله ، يظهرون الوداد ، ويبطنون العداء ، ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله يعرفهم ، ولكن يماشيهم ويرأف بهم ، ويتلقّاهم بأحسن التلقّي . فكان طوال حياته النبوية معرّضا لخطر الاغتيال ، وعلى شفا حفرة من الموت ، بالسمّ أو بالسيف ، أو بإيقاع الجدار عليه ، أو بغير ذلك . فكم من مؤامرة تامروا بها على قتله ! وكم من عزمة جزمت لإطفاء نوره وكان نصيبها كلّها الفشل بعون ربّه ! فخاب أملهم وخسرت صفقتهم . لقد قصدت امرأة يهوديّة أن تقتله بالسمّ ، فدعته إلى مائدتها مع نفر من أصحابه في بيتها ، ولكنّ من أرسله حفظه من مكرها وكشف سرّها ، وقد عفا عنها محمّد صلّى اللّه عليه وآله ولم يقتصّ منها « 1 » . وكم كان له من عدوّ يظهر له الحبّ ويبدي له الودّ ! وكم كان له من عدوّ أيضا يجاهر بمقته ويظهر الخصومة له ! فمنهم من نصب له الحرب ، ومنهم من تقرّب

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 5 ، ص 341 ، ح 9 ؛ البحار ، ج 16 ، ص 265 ، ح 62 .